|
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة و السلام على من لا نبي بعده ولا هادي قبله سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد و على آله وسلم ثم أما بعد إن الهدى هدى الله , يهدي من يشاء ويضل من يشاء و هو العزيز الحكيم . إخوتي وأحبتي في الإنسانية وفي هذا المنتدى أحييكم بتحية المحبة و السلام وأرجو أن تتقبلوني بينكم عضواً متواضعاً ساعيا إلى الحق أينما كان سواء كان معكم أم لا فانا انشد تبيان الحق ولست ارمي إلى مجادلات أو مناظرات سفسطائية هدفها الطعن و التجريح ولن أطيل عليكم في هذه المقدمة التي لا بد منها للتعريف بي و بغاياتي من وجودي هنا وادخل في صلب الموضوع
القرآن الكريم , ذلك الكتاب الذي نقدسه نحن المسلمين بكافة أطيافنا ومذاهبنا ونجمع عليه وعلى صدقه وتكامله , فلم يختلف فيه سنة ولا شيعة حنيفية أو شافعية أو مذهب من مذاهب الإسلام التي تقيم التوحيد وتعلي أسس وركائز الدين المتفق عليها جميعها , إن هذا النص الذي وصفه حتى الكفار بأن له تأثيراً خاصاً في النفس البشرية وكانوا يسترقون سماع القرآن من وراء بعضهم البعض في أول أيام ظهور رسالة الإسلام في مكة , وكانوا يصفونه بأن له حلاوة و إن عليه لطلاوة .. وان أعلاه لمثمر .. وإن أسفله لمغدق .. وانه يعلو ولا يعلى عليه .. وكان هذا أول إعجاز لأن القرآن الكريم هو كلام الله تبارك و تعالى .
ولقد وقف الصحابة و المؤمنون الذين عاصروا رسول الله (ص) عند عطاء القرآن وقت نزوله فيما استطاعت عقولهم أن تطيقه من أسرار الكون ,, ومن أسرار القرآن ,, أو من عطاءات القرآن في اللغة .. فمثلا لم يسأل أحد عن معنى "ألم" .. أو "عسق" ... أو "حـــم" ,, مع أن رسول الله (ص) كان يستقبل كثيرين يؤمنون بكتاب الله ,, و كثيرين يكفرون بما انزل الله ,, وكان هؤلاء الكفار يريدون أن يقيموا الحجة ضد الرسول وضد قرآنه و لم نسمع أن أحداً منهم ,, وهم قوم بلغاء فصحاء عندهم اللغة ملكة و موهبة وليست صناعة ,, لم نسمع أحداً من الكفار قال ماذا تعني "الم" , " حم" أو "عسق"
كيف يمر الكافر على فواتح السور هذه ولا يجد فيها ما يستطيع أن يواجه به الرسول (ص) و يجادله بها ؟؟!!
لقد كانت هذه هي فرصتهم في المجادلة, ولا شك إن عدم استخدام الكفار لفواتح السور هذه .. دليل على أنهم انفعلوا بها وان لم يؤمنوا بها ,, ولم يجدوا فيها ما يمكن ان يستخدموه لهدم القرآن أو التشكيك فيه ,, ولو أن هذه الحروف في فواتح السور كانت تخدم أهدافهم لقالوا ذلك للناس و جاهروا به. رسول الله (ص) وهو الذي عليه القرآن نزل فسر وبين كل ما يتعلق بالتكليف الإيماني .. وترك ما يتعلق بغير التكليف للأجيال القادمة لتتعاطى معه حسب متغيرات عصرهم ,, ويمر الزمن و يتيح الله لعباده من أسرار آياته في الأرض ما يشاء .. فيكون عطاء القرآن متساويا مع قدرة العقول .. لماذا ؟ لان الرسالات التي سبقت الإسلام كانت محدودة الزمان و المكان .. أما القران الكريم فزمنه حتى يوم القيامة ,, ولذلك فلابد أن يقدم إعجازا لكل الأجيال القادمة بعده ,, حتى يكون معجزة لكل عصر. و القرآن نزل يتحدى العرب في اللغة و البلاغة ,, ولكن لأنه دين للناس جميعا .. فلابد أن يتحدى غير العرب فيما نبغوا فيه ,, ولذلك نزل متحدياً لغير العرب وقت نزوله ,, فقد حدثت حرب بين الروم و الفرس وقت نزول القرآن , وكانت دولتين عظمتين بمقاييس ذلك العصر , وقامت الحرب بينهما و انهزم الروم .. و إذا بالقرآن ينزل بقوله تعالى : غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿2﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿3﴾ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿4﴾ ولو أن هذا القرآن من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فما الذي يجعله يدخل في قضية كهذه ؟ لم يطلب منه أحد أن يتدخل فيها .. وكيف يغامر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلام سيتعبد المسلمون بتلاوته إلى يوم القيامة لا يتغير ولا يتبدل وذلك بإعلان نتيجة معركة ربما ستحدث بعد سنين وربما لا تحدث ؟؟!! وماذا كان يمكن أن يحدث لقضية الدين كله لو أن الحرب حدثت و انتصر الفرس مرة أخرى ؟ أو أن الحرب لم تحدث وتوصل الطرفان إلى صلح ؟ أنها كانت ستضيع قضية الدين كله .. ولكن لان الله سبحانه و تعالى هو القائل و هو الفاعل جاءت هذه الآية كمعجزة لغير العرب وقت نزول القرآن الكريم . ولكن القرآن لم ينزل معجزة لفترة محدودة .. بل هو معجزة حتى قيام الساعة .. وبما أن القرآن هو كلام الله , و الكون هو خلق الله .. لذلك جاء القرآن يعطي إعجازاً لكل جيل فيما نبغوا فيه ,, فإذا أخذنا العلوم الحديثة التي اكتشفت في القرن العشرين و أصبحت حقائق علمية ,, نجد أن القرآن الكريم قد أشار إليها بإعجاز مذهل ,, بحيث أن اللفظ لا يتصادم مع العقول وقت نزول القرآن .. ولا يتصادم معها بعد تقدم العلم و إكتشافه آيات الله في الأرض ,, ولا يقدر على هذا الإعجاز المذهل إلا الله سبحانه و تعالى ,, اقرأ مثلا قوله الحق جل في علاه : { والأرض مددناها و ألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج(7)}(سورة ق)
و المد معناه البسط .. وعندما نزل القرآن الكريم بقوله تعالى " و الأرض مددناها" .. لم يكن هذا يمثل مشكلة للعقول في ذلك الوقت , فالناس ترى الأرض ممدودة , وتقدم العلم و عرف الناس أن الأرض كروية .. وانطلق الإنسان إلى الفضاء و رأى الأرض على هيئة كرة .. هنا أحست بعض العقول بأن هنالك تصادمات بين القرآن الكريم و العلم , والرد على ذلك بسيط و ميسر بإذنه تعالى ونقول لهم أقال الله عز وجل أي أرض تلك المبسوطة او الممدودة ؟ لم يقل ولكنه قال الأرض على إطلاقها .. أي كل مكان على الأرض ترى فيه الأرض أمامك مبسوطة و ممدودة , فإذا ذهبت الى القطب الشمالي تراها ممدودة , واذا كنت في خط الاستواء تراها كذلك ,, وإذا سرت من نقطة على الأرض وظللت تسير إلى أن تصل إلى هذه النطة مرة أخرى فالأرض أمامك دائما ممدودة , وهذا المصطلح "المد و البسط" لا يمكن أن نطلقه على الأرض لو كانت لها أي هيئة أخرى غير كروية كأن تكون مثلثة أو مربعة أو مكعبه مثلا , لان أي شكل هندسي آخر غير الكرة فلا بد له من حدود و حواف تنافي القول بالمد و البسط كما أشار الله في محكم كتابه جل و تبارك في علاه . هذا الإعجاز يتفق وقدرات العقول وقت نزول القرآن الكريم .. فإذا تقدم العلم ووصل إلى حقيقة لما كان يعتقد الناس .. تجد أن آيات القران تتفق مع الحقيقة العلمية اتفاقا مذهلا .. ولا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه وتعالى . ولو أن الله عز وجل تعرض لهذه الآيات الكونية تعرضا لا يتناسب مع استعدادات العقول وقت نزول القران .. فانه ربما صرف العقول عن أساسيات الدين إلى جدل في أسرار كون لا يستطيع العقل أن يستوعبها أو يفهمها .. ولكن الحق تبارك و تعالى ترك في الكون أشياء لوثبات العقول في العلم ,, بحيث كلما تقدم العلم وجد خيطا يربط بين آيات الله في الكون و آياته في القرآن الكريم .. ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر كونيات القرآن وقت نزوله لجمد القرآن .. لأنه لا أحد منا يستطيع أن يفسر بعد تفسير رسول الله ,, وبذلك يكون عطاء القران قد تجمد ,, ولكن ترك الرسول للتفسير أتاح الفرصة لعطاءات متجددة للقران إلى قيام الساعة , وهكذا كان المنع هو عين العطاء .. وهذه هي معجزة أخرى من معجزات الرسالة ادعوكم و نفسي للتدبر فيها لنعي عظمة الكلام الإلهي الذي من الله به علينا و خاطب به عقولنا المحدودة لينتشلنا من ظلمات الحياة الفانية إلى نور الأبدية السرمدي الذي يدعونا إليه دائما و أبدا من خلال رسالات سماوية و أفكار انتم تسمونها فكر ديني وأنا أراها أوجه متعددة لغرض واحد ألا وهو الخلاص و الأبدية و الخلود لما يمكن أن نسميه بالوعي الإنساني , والذي تطلق عليه الأديان لفظ الروح .
لنا هنا وقفة استراحة نرتشف فيها قليلا من تعليقاتكم الجميلة دائما وان اختلفت معها فلولا انتم لما شعرت أنا بنعمة ما أنا فيه ولو لا وجودي معكم لما أحسستم انتم بحلاوة ما انتم فيه ,,, فدعوا أفكارنا تتلاقح لكي تنجب لنا الحقيقة .
|